“قراءة في معاني “أبو الهريس

“قراءة في معاني “أبو الهريس

بين الدين والروايات

أسامة قيس مغشغش

15.12.2013

 

  1. الموعد والتسمية

 

مناسبة أبو الهريس من المناسبات التي يحيي المندائيون ذكرها بشكل سنوي وتصادف في أول يوم من شهر تموز، سادس أشهر التقويم المندائي والذي كان يقع أصلاً في نهاية فصل الربيع.

أما تسميته فهي غير مشتقة من اللغة المندائية وإنما تأخذ طابعاً تراثياً مرتبطاً بثقافة ولغة بلاد الرافدين، وذلك ما نلمسه في إستخدام كلمة “أبو” التي تستخدم هنا ككناية وكأن معناه التفصيلي هو “اليوم الخاص بالهريس”، فإستخدمت كلمة “أبو” لتشير إلى خصوصية هذا اليوم وإرتباطه بأكلة الهريس.

الأكدية وشاعت في العربية لتستخدم “ḫarāṣu  وأمّا الهريس فهي كلمة ربما مشتقة من “هاراصو

بكثرة في جنوب العراق بمعنى دقّ أو أو طحن أو طبخ الشئ حتى يصبح صغيراً ناعماً أو سائلاً. وهذا ما يتم عمله فعلاً في تحضير أكلة الهريس.

ويختلف معنى “الهريس” أو “الهريسة” بحسب البلدان واستخدمات الشعوب، فهي في بلدان سوريا وفلسطين والأردن نوع من الحلوى (تُعرف باللهجة العراقية بالـ”بسبوسة”)، وأما في بلدان المغرب العربي فالهريسة هي معجون أو صلصة حارة تستخدم لتتبيل الطعام.

وأمّا في العراق وبعض البلدان الأخرى فتنتشر عند طائفة الشيعة تسمية “هريسة عاشوراء” التي تطهى وتوزع في مناسبة عاشوراء، وهي أكلة تشبه إلى حد ما أكلة الهريس التي يصنعها المندائيون عندما يحتفلون بمناسبة “أبو الهريس” بحسب تقويمهم.

وربما يكون هذا التشابه آتٍ من تلاقي الأعراف التراثية التي كانت شائعة في العراق القديم والتي جعلت من هذا اليوم أو هذه المناسبة رمزاً للفرح أو للحزن بحسب الواقعة التي حدثت به وبحسب معتقدات الأقوام التي تحييها، وهذا ما سنراه في تناولنا لهذا الموضوع أدناه.

 

  1. معنى المناسبة بحسب التراث المندائي

 إختلفت تفسيرات المندائيين لهذه المناسبة وذلك بسبب أنها ليست من المناسبات أو الأعياد الدينية التي جاء ذكرها وتفسيرها في الأدب الديني المندائي، بل جاءت تناقلاً بين الأجيال كموروث إعتاد المندائيون على إحياءه.

في هذا الفصل سنتناول الروايات الشائعة على إختلافها ومحاولة تحليل صحتها قياساً بالمعتقد الديني الموثق في الكتب الدينية وبالتالي صحة إرتباطها بالمعتقد المندائي. ومن التفاسير الشائعة بين المندائين حول هذه المناسبة ما يلي:

ــ إحياء ذكرى الفرعون وغرق جنوده عند ملاحقتهم لليهود

ــ إحياء ذكرى ال365 ترميذي (رجل دين) الذين قتلهم اليهود في أورشليم

ــ إحياء ذكرى نجاة النبي نوح وذويه من الطوفان

 

 2.1  إحياء ذكرى الفرعون وغرق جنوده عند ملاحقتهم لليهود

أبرز إشارة لهذه القصة جاءت في كتاب الليدي دراور (المندائيون في العراق وإيران) وقد إستندت في ذلك على رواية شعبية سردها لها شخص مندائي يدعى هرمز بر أنهر. وهي تشير إلى أن المندائيين كانوا من أتباع الفرعون الذين لاحقوا اليهود الهاربين الذين عبروا البحر الأحمر. وتشير الليدي دراور بأن مناسبة أبو الهريس هي إحياء لذكرى أولئك الغارقين الذين يعتبرهم المندائيون أجدادهم ولذلك فهم يقيمون لهم في هذه المناسبة أكلة الهريس كنوع من “اللوفاني” وهو طعام طقسي يقام للترحم على الموتى.

تستخدم هذه الرواية من قبل الذين يذهبون لإثبات نظرية أن المندائية كانت ديناً منتشراً في مصر. ولكن هل يمكن إسناد ذلك من خلال مصادر الأدب الديني الموثق؟

يشير الـﮔنزا ربا إلى قصة هروب اليهود وملاحقة الفرعون وأعوانه لهم، ونستنتج من نصوص الكتاب بأن للمندائية موقفها الواضح من الفرعون وأعوانه، حيث يرد:

“وفليط فارا ملكا هو وروهمي وأوزاري لشوطواتا” بمعنى: “وقد نجا الملك الفرعون هو وأصحابه ومؤازريه في الضلالات”.

وبالتالي ففرعون وقومه بحسب النص المندائي من المردة الضالين ولا يوجد أي مبرر منطقي يجعل المندائيين يقومون لهم بطقوس واستذكار ولا حتى إعتبارهم من الأجداد.

مصدر/ سبب هذه الرواية؟

لم تذكر الليدي دراور أو حتى من نقل عنها هذه الرواية سبباً لهذا التفسير الذي يعتبر غريباً على المعتقدات المندائية كما رأينا. ويبدو أن هذه الرواية جاءت بتأثير المحيط الذي عاش فيه المندائيون وخاصة الروايات الخاصة بيوم عاشوراء، الذي كما رأينا يحتفى به بعمل أكلة الهريسة المشابهة للهريس المندائي.

وبرأينا فإن هذه الرواية مأخوذة من المعتقدات السائدة عند اليهود في المنطقة وما تناقله عنهم المسلمون في رواياتهم حول مناسبة عاشوراء، إذ يرد في صحيح البخاري: “عن إبن عباس، قال: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالُوا : هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ ، فَصَامَهُ مُوسَى ، قَالَ : فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.”[1]

وبهذا نرى بأن ذكرى يوم عاشوراء مرتبطة بقصة الفرعون وملاحقته لليهود، وهي إحدى القصص المتربطة بهذا اليوم وبأكلة الهريسة التي تقام من قبل الأقوام المختلفة في هذه المناسبة كما سنرى لاحقاً ومن هذا تداخلت هذه القصص مع المناسبة التي يحييها المندائيون. ويبدو أن بعض المندائيين قد إتخذوا في روايتهم ملازمة جانب الفرعون وجنوده نكاية باليهود الذين يرفضوهم، ولكنهم تجاهلوا في روايتهم الشعبية هذه ثوابت الـﮔنزا ربا بخصوص الفرعون.

2.2  إحياء ذكرى ال365 ترميذي (رجل دين) الذين قتلهم اليهود في أورشليم

وهذه إحدى القصص التي يتحدث عنها المندائيون ومذكورة في أدبهم الديني والتي تُذكّر بالإضطهاد الذي تعرض له المندائيون من قبل المؤسسات الدينية ذات النفوذ السياسي ومنها المؤسسة الدينية اليهودية. يستذكر المندائيون هذه الواقعة في صلواتهم للترحم على الأسلاف ويذكرون فيها الدعاء التالي:

” هلن تلاتما وشتين وهمشا ترميدي اد أفريشيون من ماثا اد اورشليم إمدينثا شابق هطايي نهويلون”،[2] بمعنى: “الرحمة والمغفرة لهؤلاء الثلثمائة وخمسة وستين ترميذي الذين إنطلقوا من مدينة أورشليم”.

ويذكر بعض المندائيين عن طريق الروايات الشفهية بأن أكلة الهريس تقام في هذا اليوم كنوع من اللوفاني على أرواح هؤلاء الترميذي، مشيرين إلى إقامة هذا الطقس وقراءة بوثا اللوفاني لهذا الغرض.

في محاولتنا لتحليل صحة هذه الرواية فإننا نتوقف عند النقاط التالية:

  1. لا يوجد نص ديني يؤيد ربط مناسبة أبو الهريس بتلك الحادثة ولا حتى وجوب إحياءها بشكل منفرد أو بصنع أكلة خاصة. والمعروف عن المندائيين عدم قيامهم بتثبيت أيام لإستذكار وقائع حياتية كمناسبات أو كأعياد في تقويمهم.
  2. لا يعتبر يوم أبو الهريس من أيام “المبطل” التي يعكس بعضها صراعاً بين المندائيين وقوى الشر ممن اضطهدوهم او يعادوهم.
  3. لا يجوز إعتبار أكلة الهريس من الطعام الجائز في اللوفاني بسبب أنها تُحضر وتُطبخ في اليوم السابق وتؤكل في أول يوم من شهر تموز، ولا يجوز في اللوفاني تناول الطعام البائت أو المخثر.
  4. لا يجوز إقامة اللوفاني على حساء أو عصيدة كالهريس، ولا يقام اللوفاني إلا بوجود لقمة الخبز التي تحتوي جميع أنواع الأكل الموجودة على المائدة. ففي النص الديني يرد:

“إد هازن لهما وطبوثا أبد[3]“، بمعنى: لمن أعدّ هذا الخبز وهذه الطيبات.

مصدر/ سبب هذه الرواية؟

لا يعرف مصدراً معيناُ لهذه الرواية سوى أنها تناقلت شفاهاً بين المندائيين ومازال البعض يذكرها كسبب لمناسبة أبو الهريس رغم تناقضها مع الثوابت الدينية والطقسية المندائية كما رأينا أعلاه.

ويبدو لنا بأن هذه الرواية قد أخترعت بعد رواية الفرعون وجنوده، فربما أراد المندائيون أن يضفوا على هذه المناسبة طابعاً مندائياً خاصاً يبعدهم عن الروايات السائدة عن هذه المناسبة وهذه الأكلة، فأبقوا على إرتباطها بذكر اليهود ولكن هذه المرة ليس بذكرى جند الفرعون الغارقين، وإنما بذكرى الترميذي، رجال الدين المندائيين، الذين أبادهم اليهود.

وقد يكون هذا التفسير قد جاء نتيجة لمحاكاة مناسبة عاشوراء عند الطائفة الشيعية في العراق التي يحتفى بها كذكرى لمذبحة الطف التي قتل فيها الإمام الحسين بن علي. وبالتالي فقد تم ربط المناسبة بموضوع حادثة مؤلمة في تاريخ المندائيين كما عند الشيعة، وهذا ما يفسر إعتبار البعض أن الهريس هو “لوفاني” أو أكلة ثواب كما هي هريسة عاشوراء عند الشيعة.

ولذلك فإننا نجد بأن هذه الرواية أكثر إنتشاراً من رواية الفرعون بين المندائيين، بل ويذكرها عدة رجال الدين، لكنهم سرعان ما يتحيرون حينما تطرح عليهم النقاط الأربعة التي ذكرناها أعلاه في تحليل القصة.

2.3  إحياء ذكرى نجاة النبي نوح وذويه من الطوفان

يربط فريق آخر من المندائيين بين أبو الهريس وبين ذكرى نجاة نوح وذويه من الطوفان ورسو سفينته وبدء الحياة فيها وتكاثر البشر من نسل سام بن نوح. وتشير الرواية التي يعتمدها المندائيون إلى أن نوحاً جمع 7 أنواع من الحبوب التي كانت من المؤونة التي بحوزتهم وقام بعد رسو السفينة وطبخها وأعدّ بذلك مائدة يذكر بها فضل ربه في النجاة ولترمز إلى بداية الحياة على الأرض بعد الطوفان.

يتناول المندائيون هذه القصة بشكل لافت للنظر وما يزيد من تثبيتها هو تأييد رجال الدين القدامى لها وما تم نقله عنهم من بعض تلاميذهم، ورغم أن هذه الرواية لم تذكر في النصوص المندائية أيضاً إلا أنها الأقرب لأنها ترتبط بمناسبة أبو الهريس وذلك للملاحظات التالية:

  1. عند متابعة قصة الطوفان في كتاب الـﮔنزا ربا نجد أن تدفق الماء إستمر 42 يوماً وليلة وأن سفينة النبي نوح ظلت بعد ذلك طافية على الماء لمدة 11 شهراً حتى كُتب للنبي وأتباعه النجاة.

عند الرجوع من مناسبة أبو الهريس 11 شهراً إلى الوراء بمراعاة مدة تدفق الماء 42 يوماً فسنكون في نفس الفترة التي يعرفها العلماء والجيلوجيون على أنها فترة فيضان نهر الفرات، بما يؤيد ارتباط تلك المناسبة عند المندائيين بقصة الطوفان ويفسر وقوعها في ذلك الموعد من التقويم تحديدا.

ونرى أن التحليلات العلمية الحديثة تشير إلى أن الفيضان الذي حدث في زمان نوح كان متأثراً بفيضان الفرات وهذا أيضاً ما تشير إليه المدونات الأثرية التي وجدت في العراق منذ زمن السومريين.

  1. تنتشر بين أقوام الشرق الأوسط طقوس إحياء ذكرى نجاة نوح وذويه من الطوفان وذلك بإعدادهم أكلة مشابهة للهريس المندائي. فهي تعرف عند المسلمين وخاصة في مصر بالـ”عاشورة[4]” وعند الأتراك أيضاً / آناشابور. Անուշապուր وتعرف عند الأرمن بإسم Aşure بنفس اللفظ

. Noah’s Pudding  وتترجم باللغة الإنـﮔليزية  الى:”حلوى نوح

أما مسيحيو العراق فهم يعدّون أكلة/حلوى تسمى “بوخين، بوخينة” وذلك في إحيائهم لشعائر صيام يونان وإحتفالاً بنجاته من بطن الحوت. وهنا نجد تقارباُ بين هذه القصة وبين قصة نجاة نوح، فكلا القصتين تشيران إلى معنى النجاة من الغرق والفناء.

جميع الثقافات الشرقية تجمع على أن هذه الأكلة/الحلوى تقام لإستذكار نجاة نوح وذويه من الطوفان ولربما نجد في ملخص الرواية الإسلامية عن “عاشوراء” توثيقاً لمجمل ما تحمله ثقافات شعوب تلك المنطقة من إستذكارات وتفسيرات لهذه المناسبة التي تعددت تسمياتها وربما اختلفت مواعيدها بحسب التقاويم[5]:

“إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل صَوْمَ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَهُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنَ الْمُحَرَّمِ ، فَصُومُوهُ وَوَسِّعُوا عَلَى أَهْلِيكُمْ فِيهِ ، فَإِنَّهُ مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ مِالِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وُسِّعَ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ ، فَصُومُوهُ فَإِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي تَابَ اللَّهُ فِيهِ عَلَى آدَمَ ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي رَفَعَ اللَّهُ فِيهِ إِدْرِيسَ مَكَانًا عَلِيًّا ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي نَجَّى فِيهِ إِبْرَاهِيمَ مِنَ النَّارِ ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَخْرَجَ فِيهِ نُوحًا مِنَ السَّفِينَةِ ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أنزل اللَّهُ فِيهِ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ، وَفِيهِ فَدَى اللَّهُ إِسْمَاعِيلَ مِنَ الذَّبْحِ ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَخْرَجَ اللَّهُ يُوسُفَ مِنَ السِّجْنِ ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي رَدَّ اللَّهُ عَلَى يَعْقُوبَ بَصَرَهُ ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي كَشَفَ اللَّهُ فِيهِ عَنْ أَيُّوبَ الْبَلاءَ ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَخْرَجَ اللَّهُ فِيهِ يُونُسَ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي فَلَقَ اللَّهُ فِيهِ الْبَحْرَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي غَفَرَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ذَنْبَهُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَفِي هَذَا الْيَوْمِ عَبَرَ مُوسَى الْبَحْرَ ، وَفِي هَذَا الْيَوْمِ أنزل اللَّه تَعَالَى التَّوْبَةَ عَلَى قَوْمِ يُونُسَ ، فَمَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمِ كَانَتْ لَهُ كَفَّارَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَأَوَّلُ يَوْمٍ خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ ، وَأَوَّلُ مَطَرٍ نزل مِنَ السَّمَاءِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، وَأَوَّلُ رَحْمَةٍ نزلت يَوْمَ عَاشُورَاءَ (…)”

أما عن أكلة الهريسة فقد وردت في سياق ذكر نجاة نوح من الطوفان كالآتي:

“قوله: (وأخرج نوحا من السفينة) وذلك أن نوحا – عليه السلام – لما نزل من السفينة هو ومن معه شكوا الجوع، وقد فرغت أزوادهم فأمرهم أن يأتوا بفضل أزوادهم، فجاء هذا بكف حنطة، وهذا بكف عدس، وهذا بكف فول، وهذا بكف حمص إلى أن بلغت سبع حبوب – وكان يوم عاشواء – فسمى نوح عليها، وطبخها لهم، فأكلوا جميعا وشبعوا، ببركات نوح عليه السلام.”[6]

  1. الخلاصة

نستخلص مما سبق بأن ذكرى أبو الهريس تعدّ مناسبة إعتاد المندائيون على إحيائها كجزء من تراثهم القديم كسكان العراق الأصليين. ويبدو أن ميزة هذه المناسبة، أكلة الهريس (عاشورة)، هي سبب التفسيرات المتعددة التي يتناولها المندائيون ونقلها عنهم المستشرقون، فهي أكلة معروفة عند أقوام مختلفة في الشرق وترتبط بمناسبة تعرف اليوم خاصة تحت تأثير المسلمين بـ”عاشوراء” ويبدو أن هذه المناسبة تتميز بكثرة الأحدات التي ترتبط بها وعلى هذا جاءت الإختلافات في التفسير.

ولكن الثابت من خلال موقع المناسبة في التقويم المندائي وبين قصة الطوفان في الـﮔنزا ربا وما يرد في ثقافات أغلب الأقوام المجاورة للمندائيين بأن أكلة “الهريس” او “العاشورة” تقام لإحياء ذكرى نجاة نوح وذويه من الطوفان وتعتبر أول مائدة صنعت على الأرض بعد إحيائها. أما الروايات الأخرى التي تشيع بين المندائيين فهي مناقضة للمعتقدات الدينية المثبتة في نصوصهم الدينية ولذلك فسندها ضعيف قياساً بقصة نوح وبدء الحياة من بعده وهو ما يتقارب مع المبدأ العام في كافة معاني المناسبات والأعياد التي يحتفي بها المندائيون طوال السنة.

 

المصادر:

الكنزا ربا، مصدر مندائي

الإنياني، مصدر مندائي

صحيح البخاري

الموضوعات الكبرى لأبن الجوزي

إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين لعثمان بن شطا البكري

بعض المعلومات العامة حول معاني التسميات من الإنترنت

Drower, Ethel S.: The Mandaeans of Iraq and Iran: Their Cults, Customs, Magic, Legends, and Folklore.

The Assyrian Dictionary of the Oriental Institute of the University of Chicago.

 

______________________________________________

 

The Mandaean „Abu Al-Haris“

An attempt to trace its story

By:

Sam Al-Saadi

15th Dec. 2013

 

 

[1] صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب: صيام يوم عاشوراء، حديث رقم: 1874

[2] من صلاة أبهاثن قدمايي (الأباء الأولون) في كتاب الإنياني، كتاب الصلوات المندائية

[3] من صلاة طاب طابا لطابي (الترحم على الموتى) في كتاب الإنياني، كتاب الصلوات المندائية

[4] بعض المندائيون يطلقون على اكلة الهريس تسمية “عاشورة”

[5] الموضوعات الكبرى لابن الجوزي/ كتاب الصيام/ باب في ذكر عاشوراء/ حديث رقم 1044

[6] إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين لعثمان بن شطا البكري، 2/302

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s